علي الجارم / مصطفى أمين

138

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

( 5 ) وأوصى عبد اللّه بن عبّاس « 1 » رجلا فقال : لا تتكلّم بما لا يعنيك ، ودع الكلام في كثير ممّا يعنيك حتّى تجد له موضعا . ( 6 ) وقال أبو الطيب : لا تلق دهرك إلّا غير مكترث * ما دام يصحب فيه روحك البدن « 2 » البحث : يخبرنا أبو إسحاق الغزّىّ بأن أبا الطيب المتنبي هو الذي نشر فضائل سيف الدولة بن حمدان وأذاعها بين الناس . ويقول : لولا أبو الطيب ما ذاعت شهرة هذا الأمير ، ولا عرف الناس من شمائله كل الذي عرفوه ، وهذا قول يحتمل أن يكون الغزىّ صادقا فيه كما يحتمل أن يكون كاذبا ؛ فهو صادق إن كان قوله مطابقا للواقع ، كاذب إن كان قوله غير مطابق للواقع . والمتنبي في المثال الثاني يخبر عن نفسه بأنه قانع راض بحاله التي هو فيها ، فليس من عادته أن يتطلع مستشرفا إلى ما هو آت ، وليس من دأبه أن يندم على ما فات ، ومن المحتمل أن يكون كاذبا غير صادق . كذلك يجوز أن يكون أبو العتاهية في المثال الثالث صادقا فيما قال وادعى ، ويجوز أن يكون غير صادق : انظر بعد ذلك إلى المثال الرابع تجد قائله ينادى ولده ويأمره أن يتعلم حسن الحديث ، وذلك كلام لا يصحّ أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب ؛ لأنه لا يعلمنا بحصول شئ أو عدم حصوله ، وإنما هو ينادى ويأمر .

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، أحد أكابر الصحابة في العلم سمى بالحبر لسعة علمه ، ومات بالطائف سنة 68 ه . ( 2 ) يقول : لا تبال الزمان وصروفه ما دمت حيا ؛ فإن الشدة والرخاء يتعاقبان فيه على الحي ، فلا يأس مع الحياة .